السبت، 12 سبتمبر، 2009

تاريخ كوردستان

تاريخ كوردستان تـاريـخ كـوردسـتانمنشأ الكرد وتاريخهم كانت المعلومات التاريخية التي ذكرها المؤرخ اليوناني أكسنيون في كتابه عن تقهقر العشرة آلاف يوناني سنة 401 قبل الميلاد من بلاد العجم الى الشمال، متضافرة على ان الكرد من أحفاد الكاردوكيين الذين اعترضوا سبيلهم وقاوموهم أشد مقاومة. واستمر هذا القول سائداً الى ما قبل نصف قرن، غير أن تقدم المباحث التاريخية والحفريات في السنين الأخيرة قد أظهر أقوالاً أخرى في منشأ الأكراد وأثبت أنهم أقدم من اليونانيين بزمن طويل. فمن ذلك أنه في فجر التاريخ كان يسكن الجبال المشرفة على سورية أمة تدعى جوتو . وجوتو معناها إذا ترجمت الى اللغة الآشورية بـ كاردو، وقد استعمل استرابون نفس هذا التعبير لتوضيح اسم كارداك الوارد في خريطته التي عملها سنة 60 قبل الميلاد. وكان هؤلاء الجوتو على جانب عظيم من المدنية إذ وجدوا لهم مجالاً كبيراً لنشر حضارتهم بين الأمم المعاصرة لهم كالعيلاميين والحثيين والبابليين بالخط المسماري. وقد أثبتت مباحث علمي الأنتروبولجيا والاتنولوجيا بالأدلة العلمية القطيعة، ان الكرد من الآريين وان هؤلاء الآريين قدموا هذه الجبال في عهد ما قبل التاريخ واندمج سكانها الأصليون فيهم بفعل الزمان والحضارة التي أحدثوها بها. فالخلاف الان بين العلماء منحصر في الزمن الذي قدم به هؤلاء الآريون الى هذه البلاد، ومن أين قدموا. وأحدث النظريات في هاتين المسألتين هي أنهم قدموا اليها ما قبل التاريخ من جهة اسكانديناويا. ومهما يكن زمن الهجرة ومكانها، فالذي لا يقبل الجدل ولا يتسرب اليه الشك بوجه من الوجوه هو ثبوت الحقيقتين التاليتين ثبوتاً تاماً في نظر العلماء الأخصائيين في علم الأجناس البشرية والأنساب: 1 ـ أن الكرد أمة من الأمم الآرية ومن ذريتهم الخالصة. 2 ـ أن الكرد قدموا الى البلاد التي يسكنونها الآن منذ فجر التاريخ. وقد حافظ الكرد على استقلالهم طيلة مدة الامبراطورية الآشورية، غير أنهم اتفقوا مع المـيديـن الذين استولوا على نينوى وقوضوا أركان الامبراطورية المذكورة. فاضطروا اخيراً للخضوع الى قيروش الذي افتتح بابل، حتى انهم قدموا الى خلفاء هذا الفاتح جيشاً كردياً مرتباً. وأن أبا التاريخ هيرودوت اليوناني الذي يذكر العناصر المكونة لجيوش اكسيرس قد ذكر الجيش الكردي المذكور بهذين الاسمين: ساسبيرين، الاردينز، في حين ان المؤرخين الايرانيين يذكرونهم باسم كورداه. ولا يظن القارىء ان الجوتو هم أصل أكراد الشمال والشمال الغربي فقط بل أكراد الجنوب والجنوب الشرقي ايضاً. لأن المدنية التي قامت في جهة كرمنشاه وهمذان هي من نوع المدنية التي خلفتها الجوتو في الشمال في كاردوكيا وميدية وفي آشورية ايضاً وذلك لأن قبيلة الكلهر الحالية تعتقد ـ وتؤيدها الآثار التي وجدت في بلادها ـ أنها من نسل جودرز . وهذه الكلمة تترجم بزعيم الجوتو كما ان الجوران كوران يعتقدون انهم من ذرية جودرزين كيو ، الذي كان له ابن يسمى رحام أرسله بهمن الكياني لتخريب القدس وأسر اليهود. ورحام هذا هو الذي اشتهر في الكتب العربية ببخت نصر الذي تولى العرش فيما بعد، وسمي من خلفوه من سلالته من الملوك بالجوران. ومنقوش على بعض الاحجار في بيستون بقصر شيرين أن جودرز بن كيو هذا كان شخصاً حقيقياً. فعلى كل حال أن الأمة الكردية الحالية بشعوبها الأربعة، كرمانج، كوران، لور، كلهر، من أقدم الأمم الآرية التي أنشأت حضارة زاهية في هضبة ايران والبلاد المحيطة بها. وبذلك سادت على سائر أخواتها من القبائل الآرية الأولى وأصبحت لغتها الكردية لغة عامة تتكلم بها جميع تلك القبائل والأمم، في الأمبراطورية الممتدة من منابع دجلة والفرات، لغاية خليج فارس. وكانت عاصمة هذه الأمبراطورية آكباتان في جهة كرمنشاه، وسميت هذه اللغة حينئذ بلغة الهلوان أو البهلوانان أي لغة الأبطال. ولا شك في أن هذه مترجمة عن كلمة الجوتو أو الجاردو بمعنى المحارب والبطل. ويؤيد هذا ايضاً معنى كلمة البطل في الفارسية هو كرد كما ورد في كتاب شهنامة للفردوسي. كما انه لا يزال بين القبائل الكردية في كل انحاء كوردستان اعتقاد عام بأن لفظ الكرد لم يطلق على هذا الشعب إلا لفرط الشجاعة والبسالة اللتين امتاز بهما في كل أدوار التاريخ. وهناك دليل آخر على أن الكرد من الأقوام الآرية القديمة وهو أن الدين الوطني الرسمي في كوردستان لغاية انتشار الاسلام كان دين زردشت الذي لم يعرف إلا بين الأقوام الآرية، إذ كان ديناً وطنياً عاماً بين الآريين قاطبة, وبالرغم من مرور عصور مديدة على انقراض هذا الدين، فلا يزال يوجد في أنحاء كوردستان من هم متمسكين به ويبلغ عددهم نصف مليون شخص. وقد انتشر الاسلام في كوردستان على يد خالد بن الوليد وعياض بن غنم الصحابيين الشهيرين. ولا يفوتنا أن نذكر ان الكرد بذلوا بعد ذلك مهجاً ونفساً في سبيل المحافظة على الاستقلال والحرية اللذين يعشقونهما بالفطرة، حتى في زمن العباسيين. فمن ذلك حصلت معارك دموية في كوردستان الشمالي في سبيل الاستقلال في سنتي 888 و 9051 م. ولا ريب في أن العصر الذهبي للأكراد في القرون الوسطى هو عصر السلطان صلاح الدين الايوبي مؤسس الدولة الكردية الاسلامية في أكثر بقاع الشرق الادنى من الأقطار والمماليك، أي الممتدة من جنوبي القفقاس الى صنعاء اليمن شمالاً وجنوباً، ومن وادي دجلة الى طرابلس الغرب شرقاً وغرباً. في عهد اجتياح التتر والمغول البلاد الاسلامية من الشرق الى الغرب وتدميرهم معالم الحضارة والمدنية، اجتيحت البلاد الكردية كسائر الحكومات والبلاد الاسلامية، وخاضوا معارك دموية ضارية ضد هؤلاء الغزاة والحقوا بهم خسائر جسيمة وردوهم على اعقابهم وحافظوا على استقلالهم الداخلي. ثم استولى الايرانيون على كرمنشاه واطرافها وضموها الى بلادهم، إلا ان القسم الأكبر من كوردستان كان مقسوماً بين الامارات الوطنية، التي كانت تحتفظ بكيانها القومي تارة، وباستقلالها الداخلي تارة آخرى، بالرغم من استيلاء بعض الدول الكبيرة عليها. وقد استمرت هذه الحالة الى ان اعلن السلطان سليم التركي الحرب على الشاه اسماعيل الصفوي، وانضم الأمراء الأكراد الى السلطان سليم. فمن ذلك اليوم بدأ كوردستان يفقد استقلاله شيئاً فشيئاً. بالرغم من أن كلا من الأمة الكردية والأمة الفارسية، من الآريين وأنهم من سلالة واحدة، وبالرغم من أنهم كانوا أبناء دين واحد قبل الاسلام وهو دين زردشت واخواناً في الدين بعد الاسلام ايضاً، فقد أدى ظهور اختلاف مذهبي بين هاتين الأمتين المسلمتين المتحدتين في الجنس والسلالة، وأعتناق أكثرية الأمة الفارسية الشيعة مذهباً رسمياً لها، وبقاء أكثرية الأمة الكردية على مذهب السنة، أدى ذلك الى نفور طائفي بينهما في العصر الذي كانت العواطف الدينية تسود كل البلاد فيه، وتفوق على كل العواطف البشرية الاخرى. ولم يكن خافياً قط على احد أنه إذا أثيرت عواطف الأكراد الدينية ضد الشاه اسماعيل الصفوي الشيعي، واستميلت قلوبهم الى السلطان سليم السني، فلا شك في أنهم سينضمون الى الأخير ويزحفون على الاول بكل حرارة وأخلاص. وان السلطان سليم الأول الذي أدرك اهمية هذه النقطة قد بادر وهو لا يزال في معسكر أماسية الى ارسال علامة العصر الحكيم أدريس البدليسي الذي كان استصحبه معه لقضاء مهام المور، الى أمراء كوردستان الذين يعرفهم حق المعرفة ويعترفون له بالفضل والعلم. وهكذا كان هذا العالم سبباً في نجاح قضية سليم الأول ضد الشاه اسماعيل الصفوي، بفضل ما له من نفوذ لدى الأمراء الأكراد، والاطلاع على عادات الأكراد واخلاقهم. وقد انضم هؤلاء الأمراء بأجمعهم الى السلطان سليم في معركة جالدران الشهيرة وكانوا السبب في إنزال هزيمة منكرة بجيش الشاه اسماعيل الصفوي. وتعتبر هذه الواقعة المهمة في التاريخ التركي فاتحة انتشار نفوذ الترك العثمانيين في آسيا الوسطى، كما ان نيلهم لقب الخلافة باستيلائهم على مصر الذي جعل لهم كلمة في العالم الاسلامي، هو احدى نتائج هذه المعركة القاسية ايضاً. وبعد انتهاء هذه المعركة وتمام الانتصار للاتراك، عقدت بفضل مساعي هذا العالم المخلص للسلطان معاهدة بين أمراء كوردستان وبين سليم الأول، مفادها ترك الادارة في كوردستان للأمراء الذين يتوارثون الإمارة، كل في إمارته، حسب القوانين والعادات القديمة. وليس عليهم إلا ان يقدموا جيوشاً مستقلة بادارتهم الى الدولة حينما تشتبك مع احدى الدول الكبيرة في حرب، وان يدفعوا لخزينة الدولة مبلغاً من المال في كل سنة. وهكذا أذعن كوردستان للسيادة العثمانية بموجب هذه المعاهدة، وأصدر السلطان سليم فرمانات مصدقة بأحكام هذه المعاهدة وبتوزيه الهدايا والخلع على الأمراء ورجال الدين. وقد خص الحكيم أدريس البدليسي هذا بهدية عظيمة مع مرسوم سلطاني يعرب فيه عن عواطفه نحو الشيخ، ويخلع عليه ثماني كساوى من التشريفة الكبرى وسيفاً نادراً مقبضه من الذهب الخالص. فهذا العهد من التاريخ يعتبر مبدأ سعادة الترك وانتشار نفوذهم في آسيا والعالم الاسلامي، كما أنه مبدأ سقوط كوردستان تحت حكم الاتراك، وتوالي النكبات القومية والمصائب الاجتماعية على كوردستان والشعب الكردي